عبد القادر محمد صالح
9
التفسير و المفسرون في العصر الحديث
ووفق سنن اللّه في الحياة ، وما اقتضته من تطورات ثقافية واجتماعية ومن صعدات ، وهبطات ، وارتفاعات ووهدات ، فتجمد البحث اللغوي ، وتقيدت اللغة في فترة من الفترات بأسر القوالب الجامدة . وبحكم عظمة هذه اللغة الشريفة فإنها سرعان ما نفضت عنها الغبار ، فانطلقت حيوية قوية في حياتنا المعاصرة . فظهرت دراسات وتفاسير قرآنية ذات اتجاهات مختلفة لاختلاف الينابيع التي يستقي منها أصحابها . فانبرى بعض العلماء المخلصين دارسين للتفاسير السابقة واللاحقة ، منقبين ، وممحصين ، ومصنفين لاتجاهات هذه الأعمال العلمية التفسيرية ، وقدموا بذلك الفائدة الكبرى ، والنفع الجم ، فجزاهم اللّه خيرا عنّا وعن الكتاب الكريم « القرآن العظيم » . أخص من هؤلاء بالذكر « الدكتور محمد حسين الذّهبي » صاحب « التفسير والمفسرون » . هذا الكتاب كان بحثا تفصيليا في نشأة التفسير ومذاهبه وتطوراته . وفيه درس التفاسير القديمة والحديثة التي كان آخرها حسب كتابه « تفسير المراغي » المتوفى عام 1945 م . وقد أردنا من بحثنا هذا أن يسهم إسهاما متواضعا في خدمة الكتاب الكريم ، واللغة العربية الشريفة ، إذ درسنا التفاسير الحديثة بأشهرها ، ولا ندعي الإحاطة بها . . . فتناولنا عددا كبيرا مهما من التفاسير التي لم تكن قد وردت في دراسة العلامة الذهبي رحمه اللّه ، إذ أن كتابه قدّم لنيل شهادة العالمية من درجة أستاذ في علوم القرآن سنة ( 1946 ) « 1 » . وهذا لا يعني أن عملنا لم يذكر بعض التفاسير التي وردت في « التفسير والمفسرون » للشيخ الذهبي . . . لا بل تطرقنا إلى بعض التفاسير الحديثة ، وهذا ليس من باب الاستدراك على المؤلف ، إنما أردنا أن نسلط الضوء على بعض التفاسير الحديثة لأن بعضها كان يؤثر في الآخر . . . ثم إننا أكثرنا بعض الشيء من الاقتباسات من هذه التفاسير كي تزداد صورتها إشراقا في ذهن الباحث القارئ . ثم إن عملنا اقتصر في دراسته على الدراسات القرآنية والتفاسير الحديثة . . غير أننا قدمنا لهذه الدراسات بفصول عن تاريخ القرآن وعلومه ، لتشتمل على العلاقة بين القرآن ولغة العرب والأحرف السبعة ، وكيفية نزول القرآن ، وأسباب نزول القرآن منجما ، والدواعي الباعثة لمعرفة أسباب النزول ، ثم تناولنا ظاهرة الوحي بالدراسة منوهين إلى أنواعه ، وكيفية نزوله ومناقشة الشبه التي ساقها بعض المستشرقين في هذه المسألة . ثم تمّ تناول نشأة علوم القرآن والدراسات القرآنية التي وضّحت الفرق بين مكيّة ومدنيّة . . . وبعدئذ فرقنا بين مفهومي التفسير والتأويل ، ثم سرنا ملاحقين مراحل تطور علم
--> ( 1 ) محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ( 1 / 9 ) .